Victor J. Stenger
الكون بين النظام والانتروبي
تفشل إحدى الحجج التي كانت تستخدم للتدليل على وجود خالق مرة أخرى من الناحية العلمية . إذا كان الكون مخلوقا , فإنه قد تطلب درجة معينة من النظام في لحظة الخلق . تندرج هذه الحجة والتي يطلق عليها " النظام في الكون " تحت قانون الديناميكا الحرارية الثاني والذي ينص على أن مجموع الأنتروبي أو الفوضى للنظام المغلق يجب أن يبقى ثابتا أو يزداد مع الوقت .يمكن تطبيق نص القانون على الكون لو كان الكون نظاما مغلقا . ما يريد أن يصل به أنصار هذه الحجة هو أن النظام في الكون تم خلقه أو منحه إلى الكون من خارج الكون بواسطة خالق ما .
هذه الحجة كانت إحدى أقوى الحجج على الخلق حتى العام 1929 . في هذا العام , اكتشف عالم الفلك Edwin Hubble بأن المجرات تبتعد عن بعضها البعض , والذي أشار إلى أن الكون يتوسع . قدم هذا الإكتشاف أولى الأدلة على الإنفجار العظيم , ما يعني أن الكون يمكن أن يكون قد بدأ في فوضى كاملة وما زال النظام يتكون طبقا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية .
تخيل أنك تقوم بتنظيف المنزل, عندما تقوم بتفريغ حاوية القمامة وذلك برميها عبر النافذة نحو فناء المنزل , عندما تستمر على هذه الحالة فإن الفناء سيمتلئ بالقمامة . قم بشراء الأراضي حول بيتك حيث سيصبح لديك مساحة أكبر لرمي القمامة . في هذه الحالة , ستكون قادر للإبقاء على النظام داخل منزلك بينما الفوضى ستزداد في فناء المنزل . هذه الطريقة مثال قياسي سهل للقانون الثاني للديناميكا الحرارية .
بشكل مشابه لهذا المثال , يمكن أن تصبح أجزاء من الكون أكثر انتظاما بينما ينتج الأنتروبي خلال عملية الإنتظام بمعنى أن الفوضى تقل تدريجيا عندما ينتظم النظام , فالفوضى تبدأ تنتقل في الأجزاء الأبعد في الفضاء المتوسع . يزداد مجموعة الإنتروبي في الكون بينما يتوسع الكون وذلك طبقا للقانون الثاني وهو كما موضح في الصورة ( 1 ) . يزداد الحد الأعلى من الأنتروبي بشكل أسرع بينما الكون يتوسع مما يسبب في ترك مساحة أكبر في الفضاء لتكون النظام . السبب في ذلك هو أن القيمة القصوى لأنتروبي نصف قطر جسم كروي ( لاعتقادنا بأن الكون دائري الشكل ) هي نفسها القيمة القصوى لأنتروبي ثقب أسود بنفس نصف القطر للجسم الكروي . الكون ليس عبارة عن ثقب أسود وإلا فإنه كان سيحوي على قيمة أقل من الأنتروبي . عندما نعود بالكون إلى 13.7 مليون سنة ماضية إلى اللحظة الأولية التي تم التعرف عليها وهي زمن بلانك المقدرة رياضيا بـ 6.4 × 10^-44 , وفي هذه اللحظة حيث كان الكون محصورا لأصغر منطقة ممكنة من الفضاء والتي تم التعرف عليها وسميت بـكرة بلانك وهي تملك نفس قيمة نصف القطر لمسافة بلانك المقدرة بـ 1.6 × 10^-35 متر . وكما هو متوقع من القانون الثاني للديناميكا الحرارية فإن الكون في تلك اللحظة امتلك مقدار أقل من الأنتروبي مما يمتلك الآن . إن مقدار الأنتروبي الذي كانت تملكه كرة بلانك هو المقدار المناسب لجسم صغير وذلك لأن أبعاد كرة بلانك مكافئة للثقب الأسود . باختصار , مقدار الأنتروبي في الكون كان على أعلى ما يمكن أن يكون عليه وذلك في بداية الكون , ومنذ ذلك الوقت ,مقدار الأنتروبي يزداد . عندما بدأ الكون , مقادر الأنتروبي كان على أعلى مقدار يمكن أن يكون عليه بالنسبة لحجم الكون في ذلك الوقت بسبب أن حجم الكون كان مكافئ للثقب الأسود حيث لا يمكن استخراج المعلومات من الثقب الأسود . في الوقت الحالي , مقدار الأنتروبي أعلى من الماضي ولكن ليس على أعلى ما يمكن أن يكون عليه بالنسبة لحجم الكون الحالي .
اضغط لرؤية الصورة
صورة ( 1 ) , زمن بلانك : مجموع الأنتروبي للكون والقيمة القصوى للأنتروبي كدالة لنصف قطر الكون . في البداية ( بداية زمن بلانك ) كلتا القيمتين متساوية وهي ما يوضح بأن الكون ابتدا في فوضى كاملة . بينما الكون يتوسع فإن القيمة القصوى للأنتروبي تزداد بشكل أسرع من مجموع الأنتروبي ما يؤدي إلى ترك مساحة في الفضاء لتكون النظام بدون مخالفة القانون الثاني للديناميكا الحرارية .
أحتاج هنا أيضا للرد على اعتراض مجموعة من الفيزيائيين حول ما ذكرته آنفا . يقول أولائك الفيزيائيون أننا لا نملك في الوقت الراهن نظرية الجاذبية الكمية والتي يمكن استخدامها لوصف ما سبق زمن بلانك . ما قمت بتبنيه هنا هو تعريف أينشتاين للوقت وهو ما تقرأه على الساعة . من أجل قياس فترة الوقت السابقة لزمن بلانك فإن ستحتاج للقيام بهذا القياس في منطقة أقل من مسافة بلانك التي تساوي زمن بلانك مضاعفة بسرعة الضوء . طبقا لمبدأ عدم التأكد للعالم هينزبيرج فإن منطقة مماثلة وهي المنطقة التي تسبق مسافة بلانك سوف تكون عبارة عن ثقب أسود حيث أن المعلومات لا يمكنها العودة من الثقب الأسود ( راجع موضوع : هل الرب يلعب النرد في ملفي للاسهاب في هذه النقطة ) . لا يشير هذا الأمر على أنه لايوجد فترة من الزمن أقل من زمن بلانك .
بالنظر إلى الفيزياء في الوقت الحالي , فإنه لا يوجد لدينا مخاوف حول تطبيق أسس الفيزياء في الأوقات القصيرة اللاحقة أو السابقة طالما أننا لا نحاول القيام بتطبيقها على الأوقات السابقة لزمن بلانك . الوقت محسوب على أساس أنه عبارة عن أعداد متممة من الوحدات حيث أن وحدة منها تساوي زمن بلانك . يمكننا التعامل مع الزمن على أساس أنه متغير ومستمر في الفيزياء على غرار تعاملنا مع الوقت عند القيام بالحسابات لأن الوحدات صغيرة جدا مقارنة مع أي شيء نقوم بقياسه في الفيزياء . نقوم نحن باستنتاج المعادلات خلال فترات بلانك حيث يكون الوقت غير قابل للقياس ومن المتعذر التعرف عليه . إذا كنا نستطيع القيام بذلك الآن فإنه يمكننا القيام بذلك على نهاية فترة بلانك الأولية يحث سيكون من الواجب علينا بدء وصف تلك الفترة من بداية الإنفجار العظيم .
في تلك الفترة , وضحت لنا الاستنتاجات من الأوقات التي تاتي بعد اللحظة الأولية لفترة بلانك بأن مقادر الأنتروبي كان في أعلى درجة له . في تلك الحالة , الفوضى كانت في أعلى درجاتها ما يعني بأن الكون ابتدأ بدون أي تركيب له بينما اليوم يوجد له تركيب ويعود السبب لكون الأنتروبي لم يعد في أعلى درجة له . باختصار , طبقا لفهمنا الحالي للكون فإن الكون ابتدا بدون اي تركيب او تصميم ولكنه ابتدا في حالة من الفوضى . إذا , نستنتج من كل هذا بأن النظام المعقد الذي نراه اليوم لا يمكن ان يكون قد نتج من عملية تصميم أو ما يسمى بالخلق . لا يوجد لدينا طريقة لمعرفة ما حصل قبل الإنفجار العظيم . إذا كان الخالق موجودا ولكنه لم يترك لنا أي أثر بالتالي هذا يشير إلى أنه غير موجود .
××××××××
تمت الترجمة من كتاب : God The Failed Hypothesis
المؤلف : Victor J. Stenger
مؤهلاته العلمية : أستاذ في الفلسفة , أستاذ فخري في الفيزياء وعلم الفلك .
http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/kosmos/kosmos-0065.htm
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
عزيزى الراغب فى التعليق
يرجوا ان يقتصر تعليقك على الحوار البناء والهادف
نرجوا الأبتعاد عن السب والشتيمة كى لا يحذف تعليقك